ابن الأثير
393
الكامل في التاريخ
في العام الماضي ، وأراد نور الدين قصد مصر وأخذها منه ، أرسل يعتذر ، ويعد من نفسه بالحركة على ما يقرّره نور الدين ، فاستقرّت القاعدة بينهما أنّ صلاح الدين يخرج من مصر ويسير نور الدين من دمشق ، فأيّهما سبق صاحبه يقيم إلى أن يصل الآخر إليه ، وتواعدا على يوم معلوم يكون وصولهما فيه ، فسار صلاح الدين عن مصر لأنّ طريقه أصعب وأبعد وأشقّ ، ووصل إلى الكرك وحصره . وأمّا نور الدين فإنّه لمّا وصل إليه كتاب صلاح الدين برحيله من مصر فرّق الأموال ، وحصّل الأزواد ، وما يحتاج إليه ، وسار إلى الكرك فوصل إلى الرّقيم ، وبينه وبين الكرك مرحلتان [ 1 ] . فلمّا سمع صلاح الدين بقربة خافه هو وجميع أهله ، واتّفق رأيهم على العود إلى مصر ، وترك الاجتماع بنور الدين ، لأنّهم علموا أنّه إن اجتمعا كان عزله على نور الدين سهلا . فلمّا عاد أرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنّه كان قد استخلف أباه نجم الدين أيّوب على ديار مصر ، وأنّه مرض شديد المرض ، ويخاف أن يحدث عليه حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم ، وأرسل معه [ من ] التحف والهدايا ما يجلّ عن الوصف ، فجاء الرسول إلى نور الدين وأعلمه ذلك فعظم عليه وعلم المراد من العود ، إلّا أنّه لم يظهر للرسول تأثّرا بل قال له : حفظ مصر أهمّ عندنا من غيرها . وسار صلاح الدين إلى مصر فوجد أباه قد قضى نحبه ولحق بربّه ، وربّ كلمة تقول لقائلها دعني . وكان سبب موت نجم الدين أنّه ركب يوما فرسا بمصر ، فنفر به الفرس نفرة شديدة ، فسقط عنه فحمل إلى قصره وقيذا ، وبقي أيّاما ، ومات في السابع والعشرين من ذي الحجّة ، وكان خيّرا ، عاقلا ،
--> [ 1 ] مرحلتين .